هل تساءلت يوماً عن فعالية استراتيجيات التدريب الحديثة؟ قد يفضل البعض الأساليب التقليدية التي تعتمد على الجلسات التدريبية المطولة، معتقدين أنّها الطريق الوحيد لضمان إتقان المهارات. في المقابل، يرى فريق آخر أن التطور السريع في بيئة العمل يتطلب اعتماد أساليب مرنة وموجزة مثل التعلم المصغّر (Microlearning). أفرز هذا التباين في وجهات النظر عدداً من المفاهيم الخاطئة حول ماهية التعلم المصغّر وكيفية تطبيقه، مما قد يؤدي إلى سوء استخدامه وبالتالي إهدار ميزانية التدريب المخصصة له. يهدف هذا المقال إلى تصحيح أربع من هذه المفاهيم المغلوطة الأكثر شيوعاً، لتمكينك من الاستفادة القصوى من قوة التعلم المصغّر.

لماذا تكثر الشائعات حول التعلم المصغّر؟

التعلم المصغّر هو نهج استراتيجي وليس مجرد تقليص للمحتوى، لكن السرعة التي اكتسب بها شعبية أدت إلى نشوء فهم خاطئ واسع الانتشار حول طبيعته وفعاليته. لنتحدث الآن عن الأسباب الرئيسة التي تفسر هذا الخلط بين التعلم المصغّر الحقيقي والمحاولات السطحية لتقليده.

الخلط بين "الترفيه القصير" و"التعليم المركز"

يقع الخلط الأكبر عندما يتم التعامل مع التعلم المصغّر باعتباره مجرد مقاطع فيديو قصيرة على غرار مقاطع "تيك توك" (TikTok) أو "شورتس" (Shorts)، متجاهلين أنَّ الهدف الأساسي هو التركيز على هدف تعليمي محدد ووحيد. وعليه، لا يعني تبسيط العلم ونقله بفاعلية تسطيحه أو تقليل قيمته المعرفية، بل يتطلب خبرةً وتجربةً لتكثيف المعلومة وتقديمها بجدارة وثقة في أقل وقت ممكن.

محاولات التسويق السطحية للأدوات الرقمية

ساهمت العديد من الشركات في خلق شائعات حول التعلم المصغّر عندما روجت لأدواتها ومنصاتها الرقمية على أنّها الحل السحري لـ "التعلم المصغّر"، دون التركيز على الجودة المنهجية أو الحاجة الفعلية للمتعلم. كانت هذه المحاولات تهدف بصورة رئيسة إلى جذب الانتباه السريع بدلاً من بناء محتوى له سلطة معرفية حقيقية، مما ضيّع الهدف الحقيقي لآلية تطبيق هذا النوع من التعلم.

التعلم المصغّر

الخرافة الأولى: "التعلم المصغّر هو مجرد فيديوهات قصيرة"

  • الخرافة: تظن بعض المؤسسات أن تطبيق التعلم المصغّر يقتصر فقط على إنتاج مقاطع فيديو قصيرة، متجاهلة التنوع الكبير في وسائط التعلم المتاحة.
  • حجتهم: يقع العديد من مديري التدريب في خطأ شائع بالاعتقاد بأنَّ تفعيل استراتيجية التعلم المصغّر يقتصر على الاعتماد كلياً على الفيديوهات القصيرة، مما يضيّع ميزانية ضخمة في وسيط واحد ويؤدي إلى فقدان المرونة التدريبية.
  • والحقيقة؟ الفيديو هو وسيلة قوية، لكنه وسيلة واحدة فقط ضمن مجموعة واسعة من أدوات التعلم المصغّر الفعالة. تكمن القوة الحقيقية في التنويع واستخدام الوسيط الأنسب للهدف التعليمي، بما في ذلك:
    • الإنفوجرافيك التفاعلي (Interactive Infographics): لتلخيص البيانات المعقدة أو الإجراءات في شكل بصري موجز.
    • البودكاست القصير (Audio bursts): مثالي لإيصال التحديثات السريعة أو المراجعات أثناء التنقل.
    • البطاقات التعليمية (Flashcards): لترسيخ المفاهيم والمصطلحات الأساسية عبر التكرار السريع.
    • السيناريوهات القائمة على النص (Text-based Scenarios): لتدريب الموظفين على اتخاذ قرارات سريعة في سياقات عمل محددة.

تؤكد الدراسات الحديثة في علم الأعصاب الإدراكي، مثل تلك المنشورة في "مجلة تكنولوجيا التعلم" (Journal of Learning Technology)، أنّ التنويع في الوسائط التعليمية يزيد إلى حدّ كبير من مستوى تفاعل المتعلم ويساهم في رسوخ المعلومة بفعالية أكبر في الذاكرة طويلة الأمد. الاعتماد على وسيط واحد فقط يقلل من جودة الاستيعاب.

"تصحيح: لا يقتصر التعلم المصغّر على الفيديو؛ بل يشمل أية وحدة تعليمية مركزة تحقق هدفاً واحداً، مثل الإنفوجرافيك، والأسئلة التفاعلية، والبودكاست القصير. فقد يسبب الاعتماد على الفيديو فقط "إجهاد المشاهدة"، ويقلل من التفاعل النشط للمتعلم."

الخرافة الثانية: "التعلم المصغّر يعني تفتيت المحتوى الطويل فقط"

  • الخرافة: يظن البعض أنَّ تطبيق التعلم المصغّر يقتصر على أخذ دورة تدريبية طويلة وتقطيعها إلى أجزاء زمنية قصيرة.
  • حجتهم: الخطأ الشائع هو أخذ دورة مدتها ساعة وتقطيعها إلى عشرة فيديوهات مدة كل منها ست دقائق لجعلها "تعلماً مصغّراً". يضيع هذا الجهد والميزانية؛ لأنّه يفتقر إلى استراتيجية تصميم حقيقية.
  • والحقيقة؟ هذا مجرد "تقسيم" (Chunking)، وهو غير كافٍ. التعلم المصغّر الحقيقي يُصمم ليكون مستقلاً (Self-contained) من البداية. يعني هذا أنَّ كل وحدة تعليمية مصغّرة:
    • يجب أن تحل مشكلة واحدة أو تحقق هدفاً تعليمياً محدداً.
    • يجب أن تكون قابلة للاستهلاك منفردة، دون الحاجة لمشاهدة الوحدات السابقة لفهمها.

الخرافة الثالثة: "التعلم المصغّر يلغي الحاجة للدورات العميقة"

  • الخرافة: تظن بعض المؤسسات أن التعلم المصغّر كافٍ بذاته، مما يلغي الحاجة إلى الدورات التدريبية الطويلة والعميقة.
  • حجتهم: الاعتقاد السائد هو "لسنا بحاجة لورش عمل أو دورات طويلة بعد الآن". ينبع هذا التصور الخاطئ من المبالغة في تقدير دور التعلم المصغّر كحل تدريبي شامل، مما قد يؤدي إلى بناء معرفة سطحية وغير مؤسسة جيداً لدى الموظفين.
  • والحقيقة؟ التعلم المصغّر ممتاز لـ "نقل المعرفة" و "التذكير" بالمعلومات التي اكتُسبت مسبقاً، لكنّه ضعيف في "بناء المهارات المعقدة" أو إحداث "تغيير سلوكي جذري" من الصفر. تتطلب هذه المهام استثماراً زمنياً أطول للتطبيق والممارسة والتفاعل العميق.
  • الحل البديل: الحل الأمثل هو دمج النموذجين. لذا، استخدم نموذج "الماكرو" (الدورات العميقة) للتأسيس وبناء المفاهيم والمهارات الأساسية، ثم استخدم نموذج "المايكرو" (التعلم المصغّر) للتعزيز والمراجعة الفورية، وفقاً لآلية التكرار المتباعد (Spaced Repetition). يضمن هذا المزيج عمق التعلم واستدامته على الأمد الطويل.

الخرافة الرابعة: "التعلم المصغّر حل سحري قليل التكلفة وسهل الإنتاج"

  • الخرافة: يظنّ البعض أنَّ قِصَر مدة وحدات التعلم المصغّر يجعلها بالضرورة سريعة الإنتاج وقليلة التكلفة والجهد.
  • حجتهم: الاعتقاد السائد هو "لأنّه قصير، سيكلفنا وقتاً ومالاً أقل بكثير". يُبنى هذا التصور على مقارنة خاطئة بين المدة الزمنية للمحتوى ومستوى الجهد المطلوب لتصميمه، مما يضع توقعات غير واقعية للميزانية والوقت.
  • والحقيقة؟ في الواقع، القِصَر الشديد يتطلب مهارة أعلى في الإيجاز والتكثيف، وكمثال شهير على ذلك قول "باسكال" (Pascal): "كتبت لك رسالة طويلة لأني لم أملك وقتاً لكتابة رسالة قصيرة". لذا، لإنتاج وحدة تعلم مصغّر فعالة:
    • يتطلب الأمر تصميماً تعليمياً دقيقاً جداً لحذف أي حشو وتوصيل النقطة التعليمية المستهدفة مباشرة.
    • يجب أن تكون الجودة التقنية عالية لتعويض قصر الوقت؛ إذ لا يوجد مجال للإطالة أو تشتيت انتباه المتعلم عن المعلومة الأساسية.

"من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأنّ إنتاج محتوى التعلم المصغّر سهل ورخيص. في الواقع، يتطلب تكثيف المعلومة في دقائق معدودة جهداً عالياً في "التصميم التعليمي" (Instructional Design) لضمان الوضوح والتأثير دون الإخلال بالعمق العلمي، مما قد يجعله مكلفاً زمنياً في مرحلة التخطيط."

التعلم المصغّر

الخلاصة: كيف تتبنى الموقف الصحيح؟

لا يُعد التعلم المصغّر حلاً سحرياً أو أسلوباً لتقليص النفقات، بل هو أداة قوية وفعالة بشرط أن تُفهم وتُطبق كاستراتيجية متكاملة، وليس مجرد قالب شكلي لإنتاج محتوى قصير. وعليه، يتطلب منك تبنّي الموقف الصحيح التنويع في الوسائط، والتصميم لخدمة هدف واحد محدد لكل وحدة، ودمجه مع الدورات العميقة لتعزيز التعلم على الأمد الطويل. تجنب المفاهيم الخاطئة المذكورة يضمن لك استثمار ميزانية التدريب بذكاء وحكمة.

قسم الأسئلة الشائعة

1. هل التعلم المصغّر مناسب للمواضيع المعقدة مثل البرمجة أو الطب؟

لا يمكن للتعلم المصغّر تعليم موضوع معقد من الصفر (مثل إجراء جراحة)، لكنّه يُستخدم ببراعة لتعزيز جوانب محددة منه (مثل تذكير بخطوات التعقيم، أو شرح دالة برمجية واحدة)؛ لذا، فهو مكمل وليس بديلاً.

2. ما هو الطول المثالي لوحدة التعلم المصغّر؟

لا يوجد رقم سحري، لكن الدراسات تشير إلى أن الفترة ما بين 3 إلى 7 دقائق هي الأكثر فعالية للحفاظ على الانتباه وتحقيق هدف تعليمي واحد محدد.

3. هل يؤدي التعلم المصغّر إلى سطحية المعرفة؟

إذا استُخدم بمعزل عن السياق، نعم. ولكن عند دمجه ضمن مسار تعليمي متكامل واستخدامه للمراجعة والتطبيق (Performance Support)، فإنّه يعمّق المعرفة ويثبتها في الذاكرة طويلة الأمد.

هذا المقال من إعداد المدرب سمية الأحمد، كوتش معتمد من ITOT.